الرئيسيةمقالاتمن نفحات الجمعة :من علّمنا جحود الفضل؟.. حين يتحول كبرياء النفس إلى...

من نفحات الجمعة :من علّمنا جحود الفضل؟.. حين يتحول كبرياء النفس إلى احتقار للآخرين

من نفحات الجمعة :من علّمنا جحود الفضل؟.. حين يتحول كبرياء النفس إلى احتقار للآخرين

من نفحات الجمعة :من علّمنا جحود الفضل؟.. حين يتحول كبرياء النفس إلى احتقار للآخرين
***********************
ليس عيبًا أن يعتز الإنسان بنفسه، وأن يحافظ على كرامته، وأن يعرف قدره. بل إن الإنسان الذي لا يعرف قيمة نفسه قد يسهل على الآخرين أن يهينوه أو يستغلوا ضعفه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتزاز بالنفس إلى شعور بالتفوق، ويتحول الحفاظ على الكرامة إلى احتقار للآخرين، ويتحول النجاح إلى إنكار لكل يد امتدت إلى صاحبه يومًا.

وهنا يصبح السؤال ضروريًا: متى يتحول كبرياء النفس من قوة تحمي الإنسان إلى عُجب يعميه عن رؤية فضل الآخرين؟

الحياة لا يصنعها الإنسان وحده. وراء كل نجاح أب وأم، ومعلم وأستاذ، وصديق وقف وقت الشدة، وشخص قدم نصيحة في وقتها، وآخر فتح بابًا مغلقًا، وربما إنسان لا نتذكر اسمه اليوم، لكنه ترك في حياتنا أثرًا لا يمكن إنكاره.
ولذلك فإن الاعتراف بالفضل ليس ضعفًا، ولا انتقاصًا من قيمة الإنسان، وإنما هو دليل على سلامة النفس ونضجها.
والقرآن الكريم وضع قاعدة واضحة في التعامل مع الإحسان: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]. فليس من المروءة أن يأخذ الإنسان الجميل ثم يتعامل مع صاحبه وكأنه لم يقدم له شيئًا.

جحود الفضل يبدأ أحيانًا من أقرب الناس
——————————–
أقسى صور الجحود أن ينكر الإنسان فضل من كانوا سببًا في وقوفه على قدميه.
الوالدان أول أصحاب الفضل؛ فقد بذلا العمر والصحة والمال والراحة من أجل أبنائهما. ولذلك قرن القرآن بين عبادته سبحانه والإحسان إلى الوالدين: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
ثم يأتي المعلم والأستاذ، الذي لا يمنح الطالب معلومة فقط، وإنما يساعده على بناء عقله وطريقة تفكيره. وقد يظل أثر معلم واحد في حياة تلميذه عشرات السنين، حتى بعد أن ينسى كثيرًا مما تعلمه على يديه.
وهناك أيضًا أصحاب المواقف؛ هؤلاء الذين يظهرون عندما تختفي الوجوه. قد يكون موقفهم كلمة، أو نصيحة، أو مساعدة، أو وقوفًا بجانبنا في أزمة. والإنسان النبيل لا ينسى تلك المواقف بعد أن تنتهي حاجته.
المشكلة أن بعض الناس يتذكرون أفضال الآخرين ما داموا في حاجة إليهم، فإذا استقرت أمورهم بدأوا في التقليل منهم، وكأن الاعتراف بالفضل أصبح عبئًا على كبريائهم.
ومن جوامع الأدب النبوي في هذا الباب قول النبي ﷺ: «أنزلوا الناس منازلهم»، وهو حديث رواه أبو داود. ومعناه أن يُعطى كل إنسان قدره الذي يستحقه، فلا يُظلم صاحب فضل بالتقليل من شأنه، ولا يُرفع من لا يستحق فوق منزلته. وهذه القاعدة النبوية لا تعني تقديس الأشخاص أو إعفاءهم من النقد، وإنما تعني العدل في التعامل، ومعرفة الفضل لأهله، واحترام الكبير، وتوقير العالم، وحفظ مكانة من كانت له سابقة في الخير والعطاء.
فالإنسان الناضج لا يحتاج إلى تحطيم مكانة الآخرين حتى يثبت مكانته، وإنما يعرف قدر نفسه ويعرف في الوقت نفسه أقدار الناس.

عندما يتحول الاعتزاز بالنفس إلى تعالٍ فكري
——————————–
هناك فرق كبير بين الثقة بالنفس والعُجب بالنفس.
الواثق بنفسه يعرف قدره، لكنه يعرف أيضًا قدر الآخرين. أما المعجب بنفسه فيحتاج باستمرار إلى التقليل من الآخرين حتى يشعر بأنه أكبر منهم.
وهنا تظهر صورة خطيرة من صور التعالي الفكري؛ شخص يظن أنه الوحيد الذي يفهم، وأن كل من سبقه لم يفهم، وأن كل عالم أو أستاذ أو صاحب تجربة يمكن اختزاله في كلمة ساخرة أو اتهام سريع.
وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من سرعة انتشار هذه الظاهرة. فالشاب الذي كان يحتاج في الماضي إلى سنوات من الدراسة والخبرة حتى يكون له منبر، يستطيع اليوم أن يفتح حسابًا ويقدم نفسه باعتباره صاحب الحقيقة المطلقة. ومع كثرة المتابعين قد تختلط الشهرة بالعلم، ويختلط ارتفاع الصوت بقوة الحجة.
والأخطر أن البعض قد يبني صورته عن نفسه على مخالفة كل ما سبقه؛ فيرى أن احترام العلماء تقليد، والاستماع إلى أصحاب الخبرة ضعف، والاعتراف بفضل السابقين انتقاص من شخصيته.
وهذه ليست حرية فكر بالضرورة، وإنما قد تكون في بعض الحالات عقدة تعالٍ فكري.
فالاختلاف حق، والنقد حق، والسؤال حق، لكن هذه الحقوق لا تعني إسقاط الأدب. يمكن أن أختلف مع أستاذي دون أن أهينه، وأن أناقش عالمًا دون أن أتطاول عليه، وأن أنتقد فكرة دون أن أجرح صاحبها.

من جحود الأشخاص إلى إسقاط الرموز
——————————–
لكن الظاهرة تصبح أخطر عندما لا تتوقف عند الأشخاص القريبين منا، وإنما تمتد إلى رموز الأمة ومرجعياتها وقياداتها وشخصياتها التي أسهمت في بناء وعيها وحفظ هويتها.
فالأمم لا تعيش بالاقتصاد والسياسة وحدهما، وإنما تعيش أيضًا بذاكرة مشتركة، ورموز، وقيم، وتجارب تاريخية تشكل وجدانها.
ومن حق أي إنسان أن يناقش أداء مسؤول، أو ينتقد سياسة، أو يختلف مع فكرة، فهذا من طبيعة الحياة العامة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد المسؤول وبين تحويل الاختلاف إلى إساءة ممنهجة، أو السخرية من كل رمز، أو تصوير كل صاحب فضل على أنه جاهل أو فاسد أو متخلف.
وحين تصبح إساءة الرموز هي اللغة السائدة، فإن النتيجة لا تكون مجرد إهانة لأشخاص، وإنما تفكيك الثقة في كل ما يمثل قيمة أو مرجعية.
وقد يكون وراء بعض هذه الممارسات جهل وسوء تقدير، وقد يكون وراء بعضها بحث عن الشهرة والاستقطاب، وقد تتداخل في حالات أخرى أجندات فكرية أو محاولات للتأثير في وعي المجتمعات وهويتها. ولذلك فإن الوعي لا يعني أن نتهم الناس جزافًا، وإنما يعني أن نقرأ الظاهرة بعين مفتوحة، وأن ندرك أن معركة الهوية قد تبدأ أحيانًا من العبث بالرموز وإسقاط القدوات.
أخطرها: الخوض في أصحاب رسول الله ﷺ
——————————–
وتزداد الخطورة عندما ينتقل الأمر إلى صحابة رسول الله ﷺ…فالصحابة ليسوا مجرد شخصيات تاريخية عابرة، وإنما هم الجيل الذي حمل رسالة الإسلام عن رسول الله ﷺ، وشهد التنزيل، ونقل القرآن والسنة، وشارك في بناء المجتمع الإسلامي الأول.
وقد أثنى الله تعالى على السابقين من المهاجرين والأنصار، فقال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].
وقال تعالى في أصحاب بيعة الرضوان: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18].
وجاء عن النبي ﷺ قوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، وهو حديث ثابت في الصحيحين.
كما قال ﷺ: «لا تسبوا أصحابي»، وهو نهي صريح عن سب أصحابه رضي الله عنهم.

ومن هنا فإن تحويل تاريخ الصحابة إلى مادة للسخرية والطعن والتشهير ليس مجرد خلاف تاريخي؛ لأنه يضرب في جانب مهم من الذاكرة الدينية للأمة، ويشوّش على الأجيال صورة الجيل الذي نقل إليها كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ.
وهذا لا يعني منع البحث التاريخي أو دراسة الوقائع أو مناقشة الروايات؛ فالعلم لا يخشى البحث. لكن البحث شيء، والطعن والتشهير وإثارة الأحقاد شيء آخر تمامًا.

الأدب مع الجناب النبوي ﷺ ليس أمرًا هامشيًا
——————————–
وهناك حد آخر ينبغي ألا يضيع وسط ضجيج الجدل: الأدب مع رسول الله ﷺ.
لقد علّم القرآن المؤمنين أن مقام النبي ﷺ ليس كمقام أي إنسان، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].
والقرآن يأمر بالصلاة والسلام عليه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
ولهذا فإن ذكر النبي ﷺ مجردًا في سياق لا يليق بمقامه، أو الحديث عنه بلغة السخرية والتقليل، أو التعامل مع سنته وكأنها مادة عابرة تخضع للأهواء الشخصية، ليس من أدب المؤمن.
أما القول بأن النبي ﷺ بشر، فهذه حقيقة قرآنية لا خلاف عليها؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ} [الكهف: 110]. لكن الخطأ هو استخدام بشريته ذريعة لإسقاط خصوصية مقامه النبوي أو التعامل معه كأي شخصية بشرية عادية.
فهو ﷺ بشر، لكنه رسول الله وخاتم أنبيائه، اصطفاه الله لحمل رسالته، وأوجب الإيمان به وطاعته واتباعه.
ومن الخطورة أن يتحول الحديث عن بشريته إلى مدخل للانتقاص من نبوته أو التشكيك في سنته أو إسقاط هيبة مقامه في النفوس. فالقرآن نفسه جمع بين بيان بشريته وبيان رسالته، ولم يجعل البشرية نقيضًا للنبوة.
وعندما يصل التجاوز إلى الذات الإلهية
——————————–
وإذا كان التجاوز في حق الأنبياء والصحابة والعلماء خطرًا على الأخلاق والهوية، فإن الأمر يبلغ غاية الخطورة عندما يتحول إلى الخوض في الذات الإلهية بعبارات السخرية أو الاستهزاء أو التجاوز.
فالله جل جلاله ليس موضوعًا للمزاح ولا مادة للاستعراض الفكري.
قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال سبحانه: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].
والعقل الذي يعرف قدره يعرف أن هناك فرقًا بين السؤال الذي يبحث عن الحقيقة بأدب، وبين التجاوز الذي يتخذ المقدسات وسيلة للشهرة أو الاستفزاز.

القرآن يرفع أهل العلم.. فكيف نضعهم نحن؟
——————————–
ومن أجمل الآيات التي تستحق منا وقفة طويلة قول الله تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[المجادلة: 11].
الرفعة الحقيقية ليست دائمًا في المال أو المنصب أو عدد المتابعين. هناك رفعة يمنحها الله بالإيمان والعلم.
واللافت أن الآية جاءت في سياق أدب المجالس؛ فالإيمان والعلم ليسا مجرد معلومات يحملها الإنسان، وإنما أخلاق وسلوك أيضًا. ولذلك فإن من علامات العلم الحقيقي أن يزداد صاحبه تواضعًا وأدبًا، لا أن يزداد احتقارًا للناس.
والآية لا تعطي أحدًا حصانة من الخطأ لمجرد أنه عالم، لكنها تعلمنا أن العلم منزلة، وأن صاحبه الذي جمع العلم والإيمان والأخلاق جدير بالتوقير.
وهنا يجب أن نفرق بين نقد الخطأ وإهانة صاحبه، وبين المناقشة العلمية والتطاول الشخصي.
هكذا كان أدب العلماء
——————————–
كان علماء الأمة يدركون أن الاختلاف لا يبرر إسقاط الأدب.
ومن أشهر ما نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «ما ناظرت أحدًا قط إلا تمنيت أن يظهر الحق على لسانه». وهي عبارة تختصر أدب الاختلاف؛ فالغاية من الحوار ليست أن أنتصر أنا، وإنما أن تظهر الحقيقة.
وكان أئمة السلف يجلون العلم وأهله، ويعرفون لأهل الفضل فضلهم، مع إدراكهم أن البشر غير معصومين.
وهذا هو الميزان الذي نحتاج إليه اليوم: لا تقديس للبشر، ولا امتهان لأهل الفضل؛ لا عصمة لغير الأنبياء، ولا فوضى باسم النقد.

من أين يأتي التعالي الفكري؟
——————————–
التعالي لا يولد دائمًا من القوة؛ أحيانًا يولد من نقص داخلي يحاول صاحبه إخفاءه.
فالإنسان الذي لا يشعر بقيمته الحقيقية قد يحتاج إلى تحقير الآخرين حتى يقنع نفسه بأنه أفضل منهم. وقد يكون التعالي نتيجة معرفة محدودة؛ فكلما اتسعت معرفة الإنسان أدرك كم يجهل.
ولهذا فإن أخطر صور الجهل هو الجهل الذي لا يعرف أنه جهل.
وقد يشعر بعض الشباب، بعد قراءة عدد قليل من الكتب أو متابعة بعض المحاضرات والمقاطع، أنه امتلك الحقيقة كاملة. ثم يبدأ في إصدار الأحكام على العلماء والمفكرين وأصحاب الخبرة، دون أن يعرف حجم ما بذلوه من دراسة وتجربة.
والعلاج هنا لا يكون بالصراخ في وجه الشباب، ولا بإغلاق باب السؤال، وإنما بإعادة بناء مفهوم المعرفة نفسه: أن تسأل قبل أن تحكم، وأن تقرأ قبل أن تتحدث، وأن تعرف الفرق بين الرأي والمعلومة، وبين النقد العلمي والتشهير.

جحود الفضل خطر على المجتمع
——————————–
إذا أصبح إنكار الفضل ثقافة عامة، فلن يتوقف الأمر عند شخص أو اثنين.في الأسرة يتحول الأمر إلى عقوق وجفاء.
وفي الجامعة والمدرسة تضيع هيبة المعلم والأستاذ.
وفي المؤسسات يختفي احترام الخبرة، ويصبح كل جديد في موقع من يرى نفسه أعلم من كل من سبقه.
وفي المجتمع تسقط الرموز والقدوات، وتصبح السخرية أسرع انتشارًا من المعرفة، ويصبح صاحب الصوت الأعلى أكثر تأثيرًا من صاحب الحجة الأقوى.
وهنا لا نخسر الأشخاص فقط، وإنما نخسر فكرة التراكم الحضاري نفسها. فكل جيل يبدأ من حيث انتهى السابقون، ولا يمكن لأمة أن تتقدم إذا قرر كل جيل أن يبدأ من الصفر وأن يهدم ما بناه من قبله.

كيف نعالج هذه الظاهرة؟
——————————–
العلاج يبدأ من البيت، بتربية الأبناء على الشكر والاعتراف بالفضل وتوقير الوالدين والكبار.
ثم يأتي دور المدرسة والجامعة في تعليم الطلاب أن الاختلاف جزء من المعرفة، وأن السؤال لا يتعارض مع الاحترام، وأن الأستاذ يمكن أن يُناقش دون أن يُهان.
أما الإعلام ووسائل التواصل، فعليها مسؤولية كبيرة في عدم تحويل السخرية من الرموز وأهل العلم إلى مادة للترفيه أو الشهرة.
وفي المجال الديني والثقافي، نحن بحاجة إلى تقديم العلماء والرموز للأجيال الجديدة بصورة إنسانية وعلمية، حتى يعرف الشباب لماذا يستحق هؤلاء التوقير، لا أن نطلب منهم التوقير دون أن نشرح لهم أسبابه.
والأهم أن نعلم أبناءنا أن الهوية لا تعني رفض النقد، كما أن النقد لا يعني هدم الهوية.
يمكننا أن نختلف، ونناقش، ونراجع، ونصحح، لكن دون أن نحول الاختلاف إلى كراهية، أو النقد إلى سب، أو الحرية إلى فوضى، أو الجرأة إلى إساءة.
فالإنسان الذي يهدم كل الرموز من حوله قد يكتشف بعد وقت أنه لم يصبح أكثر حرية، وإنما أصبح بلا مرجعيات ولا قدوات ولا ذاكرة.
إن الاعتراف بالفضل لا يصغر الإنسان، بل يكبره. والتواضع لا يعني أن يتنازل الإنسان عن كرامته، وإنما يعني أن يعرف أن له قيمة، وأن للآخرين أيضًا قيمة، وأن للأمة رموزًا، وللعلم أهله، وللتاريخ رجاله، وللدين حرمته.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يرفع الإنسان رأسه اعتزازًا بنفسه، وإنما المشكلة أن يرفعه حتى لا يرى من وقفوا إلى جواره، ولا يرى أصحاب الفضل في حياته، ولا يرى قيمة العلماء، ولا حرمة الرموز، ولا مكانة الأنبياء، حتى ينتهي به الغرور إلى أن يضع نفسه فوق كل شيء.
فالنفوس الكبيرة تعرف قدرها، لكنها لا تنسى أصحاب الفضل عليها، ولا تهدم ما بنته أجيال قبلها، ولا تجعل من الجهل شجاعة، ومن الإساءة حرية، ومن التطاول بطولة.
اللهم ارزقنا قلوبًا تعرف الفضل لأهله، ونفوسًا متواضعة لا يفسدها نجاح، وعقولًا تعرف الحق وتتبعُه، وأدبًا يحفظ للوالدين والمعلمين وأهل العلم وأصحاب الفضل قدرهم، وارزقنا حب نبيك ﷺ وتعظيم مقامه واتباع سنته، واحفظ أمتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظ لها دينها وهويتها ووحدتها، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، واهدنا إلى سواء السبيل.
————————–
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
١٨ سبتمبر ٢٠٢٦

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة