كتبت د.صفاء مختار رئيسة المجلس العربي للثقافة والتراث أحد المجالس المتخصصة للأتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة.
(إنسان مصر القديمة تاريخ تحديات وأستدامة حياة ).
في قلب الصحراء حيث يبدو العطش أحيانا قانوناً أبديا لا يُكسر أو ينهزم وقف الإنسان المصرى القديم لا ليقاوم العطش أو الجفاف فحسب ؛ بل ليُعيد تعريفه…فهو لم يري في ندرة الماء نهاية له بل بداية لمعرفة أعمق وسبيل مستدام يصل إلى تحقيقه ؛ حول قلقه لنظام والخطر إلى حكمه والفوضى حولها إلى هندسة خالدة تدوم.
وقد سجل التاريخ أن من بين ضفاف نهر النيل خرجت واحدة من أعظم معادلات البقاء..
لم تكن مواجهة الجفاف عند المصري القديم مجرد رد فعل ؛ بل كانت سيطرة واعية علي الطبيعة عبقرية حيث أقام السدود ونحت القنوات وأبتكر أنظمة الرى التى لا تزال أثارها حتى يومنا هذا تشهد على عقل لم يستسلم أو ينحنى أمام القحط . كانت الأرض تُروى قبل أن تعطش والماء يُخزن قبل أن يختفى ” وكأنهم أدركوا مبكراً أن النجاة ليست في الوفرة بل في حسن التدبير…( سبحان الله العظيم).
لم تكن منشآت المصري القديم عشوائية بل حملت أسماء خلدها التاريخ ونُقشت علي الحجارة بجدران المعابد ليشهد العالم الوعى المائى الدقيق وعقلية المصري القديم الفذة السابقة لكل عصر.
أمثلة لذلك:ـ
سد اللاهون ؛ يقع عند مدخل منخفض الفيوم والذي أرتبط بمشروعات الري في عصر (أمنمحات الثالث) وكان جزءا من منظومة دقيقة للتحكم في تدفق مياه النهر وتخزينها.
سد الكرنك ؛ هو ليس سدا منفصلاً بالمعنى الحرفي الحديث بل كان نظام حواجز وقنوات مائية أقيمت حول معبد الكرنك لحمايته وتنظيم المياه في طيبة القديمة..
قناطر الجيزة القديمة ؛ وهى منشأة مائية بدائية ساهمت في توزيع المياه علي الأراضي الزراعية غرب النيل وتعكس بدايات التفكير في القناطر كوسيلة للسيطرة على المياه.
بحيرة موريس(خزان الفيوم) وقد أرتبطت هى الأخري بعهد الملك ( أمنمحات الثالث) وقد كانت بمثابة خزان طبيعي صناعى ضخم لتخزين المياه لحين أستخدامها وقت الحاجة.
كل تلك المنشآت لم تكن مجرد أعمال هندسية فقط… بل كانت تعبيرا عن فلسفة عميقة (أن الماء لا يُنتظر بل يُدار )…ولا يُستهلك بل يحفظ لوقت ويوم قد لا يأتى فيه…


