الأحد, مارس 22, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeمقالاتفن التغافل.. حين تكون الحكمة أقوى من الكلمة

فن التغافل.. حين تكون الحكمة أقوى من الكلمة

فن التغافل.. حين تكون الحكمة أقوى من الكلمة

فن التغافل.. حين تكون الحكمة أقوى من الكلمة
**إعداد د. خالد سعيد النقبي**

في خضم حياتنا اليومية، نمر جميعًا بمواقف تختبر أعصابنا، وتثير غضبنا، سواء في البيت مع الزوجات والأبناء، أو في العمل مع الزملاء والأصدقاء.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نرد على كل زلة بخطأ، أم نملك أنفسنا لنحفظ الود؟
هنا يكمن سرّ عظيم من أسرار الحياة الهادئة، وهو خلق “التغافل”.
التغافل ليس معناه أن تكون غافلاً عن الواقع، أو أن تضيع حقوقك، حاشا لله.
بل هو أن ترى الخطأ بعينك، وتسمعه بأذنك، وتعيه بقلبك، ثم تختار بوعي كامل ألا تجعل منه مشكلة كبرى.
إنه قرار إنساني ناضج، تقول فيه لنفسك: “سلامتي وراحة بالي أغلى من أن أهلكهما في معركة كسبها مؤقت وخسرها دائم”.

هذا الخلق النبوي الكريم هو الغراء الذي يلم شمل الأسر، ويديم صلة الأرحاب، ويحفظ ماء وجه الصديق.
لقد أدرك العظماء قيمة هذا الفن، فقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “تسعة أعشار الخلق في التغافل”.
تأمل جيدًا في هذا القول؛ إنه يخبرنا أن أغلب استقرار حياتنا الاجتماعية يعتمد على قدرتنا على التجاوز عن الهفوات.
وقال بعض السلف الصالح بكلمة جامعة مانعة: “التغافل يطفئ شرًا كثيرًا”، فكأنه ماء بارد يُلقي على نار الغضب قبل أن تشتعل.
حتى الشعر العربي أقرّ بهذه الحقيقة، حين قال الشاعر:
“ليس الغبي بسيّد في قومهِ .. لكن سيّد قومه المتغابي”.
فالسيادة الحقيقية ليست في كثرة الكلام واللوم، بل في سعة الصدر وحسن التصرف.

تخيل معي بيتًا يسوده التغافل؛ حين تغلق الزوجة عينها عن هفوة زوجها تعبًا، وحين يتغافل الزوج عن زلة زوجته نسيانًا، وحين يتغافل الأب عن هفوة ابنه ليتيح له فرصة التصحيح دون جرح كبريائه.
هذا البيت لا شك أنه جنة في الأرض، مليء بالحب والاحترام المتبادل.
أما البيت الذي يُحاسب على كل صغيرة وكبيرة، فهو بمثابة ثكنة عسكرية، يسكنها التوتر وتنفرد فيها القلوب.
لذا، أدعوك اليوم لأن تتخذ من “التغافل” منهجًا عمليًا في حياتك، وليس مجرد كلمة تقرأها وتنتهي.
أنصحك بالاطلاع على النماذج العلمية والعملية في علم النفس والإدارة التي تؤكد كيف أن التسامح الواعي يبني قيادات ناجحة وأسراً مستقرة.
ابدأ بتجربة بسيطة اليوم؛ عندما تخطئ في حقك شخص تحبه، امنح نفسك دقيقة، ثم اختر أن تتغافل لوجه الله ولحفظ العلاقة.
ستلاحظ فرقًا شاسعًا في شعورك الداخلي، وسترى ابتسامة العودة على وجه من حولك.
تذكر دائمًا أن العمر قصير، والقلوب سريعة الكسر، وصعبة الجبر.
كن أنت ذلك الإنسان الاستثنائي، الذي يملك فن التغافل، فيملك به القلوب، ويرفع به قدره عند الله والناس.
اجعل من تجاهلك للسيء جسرًا يعبر عليه الحب إلى قلبك، واجعل من صمتك عن الزلات صوتًا عاليًا لسمو أخلاقك.

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة