الخميس, مارس 26, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeمقالاتبعد أن صمنا عن الحلال… متى نصوم عن إيذاء الخَلق؟

بعد أن صمنا عن الحلال… متى نصوم عن إيذاء الخَلق؟

بعد أن صمنا عن الحلال… متى نصوم عن إيذاء الخَلق؟

بعد أن صمنا عن الحلال… متى نصوم عن إيذاء الخَلق؟

************************

ا.د / ابراهيم حسينى درويش

الصيام الأخلاقي في زمن المنصات الرقمية والتحرش الإلكتروني
مقدمة: عبادة لا تكتمل بلا خُلُق
يخرج المسلم من شهر الصيام وقد ذاق حلاوة الطاعة، وتدرّب على كبح الشهوات، وضبط النفس عن الحلال قبل الحرام. غير أنّ سؤالًا أخلاقيًا ملحًّا يفرض نفسه بقوة على واقعنا المعاصر: إذا كنا قد صمنا عن الطعام والشراب، فمتى نصوم عن إيذاء الناس؟
متى نصوم عن الكلمة الجارحة، والصورة المنتهِكة، والرسالة المسمومة، والمنشور الذي يطعن في الأعراض ويهدر الكرامة الإنسانية؟
لقد تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية من أدوات للتواصل والبناء إلى ساحات مفتوحة للأذى المعنوي، والتشهير، والابتزاز، والتحرش، وبث الكراهية، تحت لافتات زائفة مثل “حرية التعبير” أو “النقد”، وأحيانًا خلف أسماء مستعارة وحسابات وهمية، بما يهدد الأفراد والأسر والمجتمعات، ويقوّض منظومة القيم ويهز استقرار الأوطان.

أولًا: الصيام الحقيقي… مدرسة المراقبة والضمير
—————————————
الصيام في جوهره ليس امتناعًا جسديًا فحسب، بل تربية روحية وأخلاقية، وغرس لخلق “المراقبة”؛ أن يستشعر الإنسان نظر الله إليه في السر والعلن. قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾فغاية الصيام هي التقوى، والتقوى ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس، وضبطًا للنفس عن كل ما يؤذي الآخرين قولًا وفعلًا ونشرًا. ومن هنا جاء التحذير النبوي الصريح من تفريغ الصيام من مضمونه الأخلاقي:«مَن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
فالصائم الذي يسيء للناس بلسانه أو قلمه أو منصته الرقمية، يناقض مقاصد الصيام، ويهدم ما بناه نهارًا بما ينشره ليلًا.

ثانيًا: منصات بلا ضمير… حين يغيب الرقيب
—————————————
وفّرت الثورة الرقمية فضاءً رحبًا للتعبير، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة الضمير عند بعض الناس، ممن وجدوا في التخفي الرقمي ستارًا للاعتداء على الآخرين. فانتشرت مظاهر خطيرة، منها: التشهير دون بيّنة، والابتزاز باستغلال الصور والمعلومات الخاصة، والتحرش اللفظي والمعنوي، واغتيال السمعة، وبث الشائعات، والتنمر والسخرية التي تترك جروحًا نفسية عميقة.
ويغيب عن هؤلاء أن الكلمة المكتوبة قد تكون أشد أثرًا من المنطوقة، وأن ما يُنشر لا يُمحى بسهولة، وأن الأذى الرقمي واسع الانتشار، سريع التداول، طويل الأثر.

ثالثًا: التحرش الإلكتروني… المفهوم والأشكال
—————————————
التحرش الإلكتروني هو كل سلوك عدواني أو غير مرغوب فيه يُمارَس عبر الوسائل الرقمية، ويهدف إلى إيذاء شخص نفسيًا أو معنويًا، أو انتهاك خصوصيته، أو المساس بكرامته وعِرضه، أو الضغط عليه وابتزازه. وهو لا يقل خطورة عن التحرش المباشر، بل قد يفوقه أثرًا.
ومن أبرز صوره:
١- التحرش اللفظي الرقمي: تعليقات ورسائل خادشة أو إيحاءات غير لائقة وسخرية مهينة.
٢- التحرش البصري: إرسال صور أو مقاطع غير أخلاقية أو فرض مشاهد غير مرغوب فيها، في مخالفة صريحة لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ…﴾.
٣- الملاحقة والتتبع الإلكتروني: اقتحام الخصوصيات والتعليق المتكرر والتدخل فيما لا يعني، وهو معنى معاصر لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، وتشمل “البيوت الرقمية”.
٤- الابتزاز الإلكتروني: استغلال الصور والمعلومات للتهديد، وهو من أعظم صور الظلم، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ… فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
٥- نشر الشائعات والتشهير: وهو الأخطر، لتعديه من الفرد إلى المجتمع، وقد توعد الله فاعليه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ… لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

رابعًا: حرمة العِرض في ميزان الشرع
—————————————
جعل الإسلام العِرض من الضرورات الخمس، وقرن حرمته بحرمة الدماء والأموال. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وفي الحديث: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرضه».
فكيف تُستباح الأعراض بضغطة زر؟ وكيف ينام الضمير وقد شارك في نشر إساءة أو اتهام؟ إن الأذى الرقمي لا يقل خطرًا عن الأذى المباشر، وقد يكون أشد لشموله وسرعته وعمق أثره.

خامسًا: أسباب الظاهرة… قراءة في الجذور
—————————————
لفهم التحرش والأذى الرقمي، لا بد من تشخيص الأسباب، ومنها:
ضعف الوازع الديني وغياب استحضار قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.وغياب خلق الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه…». وسهولة التخفي والأسماء المستعارة، وهي جرأة زائفة تكشف خللًا أخلاقيًا. مع سوء التربية الرقمية وغياب التوجيه الأسري والتربوي. بالإضفة إلى الفراغ والاضطرابات النفسية، وثقافة الاستهلاك الإعلامي المثير.

سادسًا: آثار مدمّرة على الفرد والأسرة والمجتمع
—————————————
تاثيرة على الفرد: يؤدى إلى ألإكتئاب والقلق، وفقدان الثقة، والعزلة، وقد يصل الأمر إلى إيذاء النفس. وتأثيره على الأسرة: يؤدى إلى تفكك وضغوط اجتماعية وتشويه سمعة دون ذنب. اما تاثيره على المجتمع بانتشار ثقافة التشهير بدل الستر، وتآكل القيم، وفقدان الأمان الرقمي. وهذا كله يعود على الوطن بضرب الاستقرار وتشويه الصورة العامة واستنزاف مؤسسات الدولة في مواجهة جرائم كان يمكن الوقاية منها.

سابعًا: النقد المشروع… ضوابط أخلاقية وشرعية
—————————————
ومن المهم ان نؤكد أن الإسلام والقانون لا يمنع النقد، لكنه يضع له ضوابط: الإخلاص للإصلاح لا التشفي، والتحقق من المعلومة: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، والستر لا الفضح، والعدل.
والإنصاف، واحترام الكرامة الإنسانية. أما السبّ والقذف والسخرية فليست نقدًا، بل انحراف أخلاقي يستوجب المراجعة والمساءلة القانونية. والأخلاقية والحساب يوم القيامة.

ثامنًا: سبل العلاج… من الصيام إلى الصيانة الأخلاقية
—————————————
لمواجهة الظاهرة نحتاج إلى منظومة متكاملة من خلال :تعزيز الوازع الديني واستحضار مراقبة الله في كل “ضغط زر”. ورفع الوعي والتربية الرقمية في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد.
وتمكين الضحايا بالدعم النفسي والقانوني، ووقف لوم الضحية.
مع تطبيق القانون حتى يكون ذلك رادعًا وحاميًا للكرامة.وإحياء ثقافة الستر «من ستر مسلمًا ستره الله».
مع خطاب ديني معاصر يربط النصوص بالواقع الرقمي بوعي وحكمة.

ختاما : صيام القلوب قبل الشاشات
—————————————
نحن اليوم أحوج ما نكون إلىصيامٍ ممتد لا ينتهي بانتهاء رمضان؛صيام عن الأذى، وعن الكلمة الجارحة، وعن التشهير والابتزاز، وعن استباحة الأعراض باسم الحرية أو الاختلاف. فليكن صيامنا تربيةً للضمير، وحراسةً للأخلاق، وصيانةً للمجتمع، وبناءً لوطنٍ متماسك تحكمه الرحمة والعدل.والعلم بأن الأخلاق ليست موسمية، والصيام ليس طقسًا عابرًا، بل مشروع حياة.
اللهم طهّر قلوبنا كما طهّرت أجسادنا بالصيام،واجعل ألسنتنا وأقلامنا وشاشاتنا شاهدةً لنا لا علينا،واحفظ أعراضنا وأعراض عبادك،وألّف بين قلوبنا على الخير،
واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر،
إنك وليّ ذلك والقادر عليه.
——————————
جمعة طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٣/٢٦

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة