قبل أن تتكلم المدافع… تكلّم الهدهد
درس في إدارة الصراع والحكمة السياسية من قصة سيدنا سليمان عليه السلام وبلقيس ملكة سبأ في القرآن العظيم.
بقلم دكتور هاشم محمد الحبشي ـ عالم وباحث في علم وتقنية النانو، شيفرة النانو0369 المملكة العربية السعودية عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، عضو هيئة مجلس العلماء العرب.

في عالمٍ تتصاعد فيه أصوات المدافع قبل أن تتكلم العقول، وتُقاس فيه قوة الدول بعدد الصواريخ لا بعمق الحكمة، يطرح سؤال نفسه بإلحاح:
هل يمكن للحكمة أن تسبق الحرب؟
يقدم لنا القرآن الكريم مشهدًا فريدًا في تاريخ السياسة الإنسانية، مشهدًا يبدأ بطائر صغير يحمل رسالة، وينتهي بتحول دولة كاملة دون أن يُشهر سيف أو تُطلق رصاصة.
إنها قصة دبلوماسية هادئة، بدأت حين أرسل نبي الله سليمان عليه السلام رسالة إلى مملكة سبأ، حاملاً إياها طائر الهدهد، في مهمة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها خطوة سياسية عميقة في إدارة الصراع بين قوتين.
الآيات المفتاحية من سورة النمل
🕋إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (-) وَجَدتُّهَا … اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ …
..إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ …
ثماني آيات فقط، ترسم لوحة مدهشة في فن إدارة العلاقات بين القوى الكبرى؛ لوحة تبدأ بالذكاء السياسي وتنتهي بالحكمة.
فقد استخدم سليمان عليه السلام دهاءً سياسياً هادئاً عندما أرسل رسالته، رسالة قصيرة في كلماتها عظيمة في مضمونها؛ تبدأ باسم الله وتنتهي بدعوة صريحة إلى الحق، خالية من التهديد أو الطمع.
لكن الرسالة لم تصل إلى حاكمة عادية، بل إلى واحدة من أذكى الشخصيات السياسية في التاريخ القديم: بلقيس ملكة سبأ. فقد أدركت منذ اللحظة الأولى أن الأمر ليس رسالة عابرة، بل اختبار لعقل الدولة وحكمة القيادة.
ومن فطنتها أنها لم تتعامل مع الكتاب كرسالة عادية، بل وصفتـه بـ”الكتاب الكريم”، ليس لأنه مختوم أو لأنه من ملك، بل لما حمله من معانٍ سامية بدأت باسم الله وانتهت بدعوة إلى الحق. هذا الوحدها يكشف عمق إدراكها السياسي وحساسيتها العالية تجاه اللغة والرموز.
ولذلك تعاملت مع الموقف بمهارة سياسية رفيعة حين أعلنت قرارها الدبلوماسي:
🕋(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ).
كانت تلك خطوة دبلوماسية ذكية لقياس النوايا قبل إشعال نيران المواجهة.
الشورى والحكم الرشيد
في قلب هذا المشهد يبرز أحد أعمدة الحكم الرشيد: الشورى. فقد رفضت بلقيس أن تنفرد بالقرار رغم سلطتها، وخاطبت مجلسها قائلة:
🕋(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ).
إنه نموذج للقائد الذي يدير الدولة بالعقل الجماعي لا بالهوى الفردي. وجاء رد مستشاريها متوازناً بين القوة والحكمة:
🕋(نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ).
لقد أقرّوا بقدرتهم العسكرية، لكنهم أعادوا القرار النهائي إلى ملكتهم، ثقةً بحكمتها وبعد نظرها. إنها علاقة متوازنة بين القائد والمؤسسات، بين العسكري والسياسي، تصلح أن تكون نموذجاً يُحتذى.
منطق الأرض ومنطق السماء
فعندما وصلت الهدية إلى سليمان عليه السلام رفضها رفضاً قاطعاً، لا عن تعالٍ أو كبر، بل عن يقين راسخ:
🕋🌴(أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ).
إنه درس خالد في أن الحكم الحقيقي لا يُشترى بالذهب، وأن القوة لا تُقاس بما تملكه من كنوز، بل بما تؤمن به من مبادئ. سليمان يعلن أن معياره مختلف: ما عنده من الله خير مما عندهم من الدنيا.
هنا تكمن المفارقة الكبرى بين منطق الأرض الذي يعتقد أن كل شيء يُشترى، ومنطق السماء الذي يعرف أن المبادئ لا تُباع ولا تُشترى.
الحكمة قبل الحرب
هذه الآيات القليلة تكشف كيف يمكن للعقل والحكمة أن يجنّبا الأمم ويلات الحروب. فالقوة كانت حاضرة في جيش سليمان وفي مملكة سبأ، لكنها لم تكن الخيار الأول لأي من الطرفين. لقد سبقت الحكمة السيف، وسبق العقل الصدام.
لقد كان بإمكان جيش سليمان عليه السلام أن يسير إلى سبأ، وبإمكان مملكة بلقيس أن تختار المواجهة. لكن ما حدث كان شيئاً أعظم من الحرب: انتصار الحكمة على الصدام.
إنها لحظة تعلمنا أن السياسة في أرقى صورها ليست فن إشعال الحروب، بل فن تجنبها.
🖋رسالة الهدهد إلى قادة اليوم
وحين نتأمل هذه القصة التي يرويها القرآن الكريم، ندرك أن التاريخ لا تصنعه الجيوش وحدها، بل تصنعه العقول التي تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تقدّم الحكمة عليها.
ففي تلك اللحظة الفاصلة من التاريخ، لم يكن السيف هو أول من تحرك، بل رسالة حملها طائر صغير. ولم يكن القرار وليد نزوة حاكم، بل ثمرة شورى وعقل وتدبير. ولم تكن القوة في الذهب الذي أُرسل، بل في المبدأ الذي رفض أن يُشترى.
إن مشهد الهدهد الذي يحمل رسالة سلام، ليرينا أن أصغر الوسائل يمكن أن تكون أعظمها أثراً، إذا أُحسن استخدامها. فهل يدرك قادة اليوم أن كلمة حق، أو رسالة عدل، قد تكون أنفع للبشرية من أقوى الطائرات وأثقل الدبابات؟
فهل آن الأوان أن نعيد تعريف القوة، لا بعدد ما نملك من أسلحة، بل بحجم ما نملك من حكمة؟ وهل يقرأ قادة اليوم رسالة الهدهد قبل أن تأمرهم المدافع بالتكلم؟
وكم من حربٍ كان يمكن أن لا تقع، لو أن بعض القادة تعلّموا أن الحكمة أحياناً أقوى من الجيوش، وأن كلمة “بسم الله الرحمن الرحيم” قد تفتح قلوباً قبل أن تفتح المدافع أبواباً.
إنها دعوة للتأمل في زمن تاهت فيه البوصلة، وضاعت فيه الإنسانية بين لهيب الحروب وجشع القادة. عسى أن نعي الدرس، قبل فوات الأوان.


