الوزان يكتب:
“هندسة العقول.. إعلامياً ”
بقلم: أ.د.عبدالكريم الوزان
من ضمن ماتعنيه هندسة العقول: أنها عملية برمجة للإدراك المتقدم، مع التركيز على النضوج الفكري والثقافي ورفع مستوى الوعي، وتغيير القناعات، والتوجيه سلبا أو إيجابا، حسب الغرض من هذه الهندسة، سَواء كانت بدوافع سياسية أو تجارية. مع إن كلمة هندسة كما هو معروف وشائع، تستخدم بالإتجاه الإيجابي، كونها ذات صلة بالإبداع والتنظيم نحو الأفضل. في حين أن السلبية منها تشير الى التضليل والخداع والتأثير النفسي السلبي.
وقد ساعد التقدم التكنولوجي ونمو التقنيات الإعلامية على وجه التحديد – بما في ذلك التحول الرقمي والذكاء الإصطناعي وحتى الميتافيرس- إلى التحكم بسرعة ودقة في هندسة العقول وإعادة تشكيل الوعي الإعلامي، من خلال تمرير رسائل إتصالية ذات مضمون خطابي إعلامي ممنهج ورصين، مبني على أسس نفسية وعلمية، بواسطة قائم بالإتصال متمكن وقادر على الحصول على رجع صدى إيجابي متوافق مع الغايات والأهداف للمحتوى والمرسل.
وهذه العمليات تجري بهدوء وبشكل غير مرئي وغير مكلف كنفقات الحروب التقليدية، ودون أدنى مسؤولية، وتؤثر في المتلقي بشكل غير مباشر دون معرفته وإدراكه بما يجري، بحيث يتغير سلوكه وأفعاله فيؤثر في مجتمع. وفي هذا يقول الدكتور مصطفى أبو صلاح في مدونته (السّيطرة على العقول عبر شبكات التواصل الاجتماعي): “هذا التلاعب الخفي في مشاعر الناس فرض هندسة إجتماعية جديدة، بدأنا نرى أثرها في حياتنا اليومية، فأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مرتعاً للأفكار الغريبة والأخبار الملفقة أو المجتزأة التي تقوم بنشرها خلايا سوداوية لها أهداف معينة تستغل الدين والمذهب وغيرها، وأصبح الكثيرون حتى المثقفون منهم يتبادلون هذه الأخبار الملفقة والأفكار الغريبة دون كامل إدراك بما يفعلون. الخطر الأكبر يكمن في التأثير على النشىء، فهم الأكثر عرضة للتأثر بالأفكار الغريبة والمتطرفة، بسبب قلة الخبرة خصوصاً في مرحلة النضج” .
بالطبع هذا ما يتوافق مع أساليب الحرب النفسية التي تعمل وفق استخدام مخطط ومدروس للدعاية والشائعات والمناورات السياسية والضغوط الاقتصادية والأعمال العسكرية الرادعة وغيرها من الإجراءات الاعلامية الأخرى ، التي تستهدف التأثير على آراء وعواطف واتجاهات وسلوك الجمهور المستهدف، بطريقة تعمل على تنفيذ أجندة الجهة التي تقف خلف الهندسة، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات إستخبارية أو سياسية أو إعلامية، أو دولاً بمفردها أو حلفا منها.
اذن الجانب الإعلامي هو الفيصل في الدفاع أو الهجوم لتنفيذ هذه الهندسة العقلية، من خلال استغلال مختلف وسائل الإعلام الجماهيرية والتقليدية والحديثة، إضافة “للسوشيال ميديا” وبرامج وشبكات التواصل الاجتماعي. والتأثير في الرأي العام عبرها وعبر برامج التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وهذا يحتم التعامل الأمثل في إستثمار الإعلام، على أن تكون البداية من خلال إنتهاج سياسة حكومية تهتم بالإعلام كفكر وممارسة، وتدعم مراكز البحوث والباحثين، وترعى القائمين بالإعلام بغض النظر عن تخصصاتهم وأدوراهم.
منهجيا من الضرورة جعل مادة الإعلام مقررا في المدارس الثانوية، لتأسيس سياج فكري حصين مانع، والتخلص من “الفضلات” الإعلامية، بخاصة للشباب عماد المجتمع والدولة وقادة المستقبل ، كذلك ضرورة تبادل الخبرات مع الدول العربية والسعي لتوحيد الخطاب الاعلامي. وفي الجانب الاجتماعي تمثل التربية الأسرية والمنظمات الاجتماعية كمنظمات المجتمع المدني وكافة المؤسسات المماثلة ركنا أساسيا في المحافظة على المعايير الأخلاقية والاجتماعية، وتفعيل الثوابت التربوية للأفراد. وعلى المؤسسات التعليمية والإعلامية والأسر تعويد الجمهور على أن يكون ناقداً ومعترضاً، على كل ما يتعرض له من سيل الأخبار، وتدقيق الفيديوات والصور، وأن لايكون منصاعاً أو مقلداً لما تحمله من مضامين، وماترمي إليه في السر والعلن، ولا يتأثر بالعواطف، ومن المهم دعم وسائل الإعلام التي تعول على المصداقية والحيادية.عندها نكون أحراراً في أفكارنا.
أخيراً لابد من التذكير بأن الحروب التقليدية بدأت بالتلاشي منذ وقت ليس بالقصير، وحل بدلها توقيد الحرب النفسية وهندسة العقول، فباتت أخطر الحروب هي تلك التي تخاض بالعقول‘ وليس في ساحات القتال، ومن هنا تتجلى لنا خطورة الواقع الذي نجابهه ونعيشه. فهل نحن مستعدون لذلك؟.


