الأحد, مارس 1, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeمقالاتالتقوى… بوصلةُ القلب وطريقُ إصلاح النفس وبناء المجتمع

التقوى… بوصلةُ القلب وطريقُ إصلاح النفس وبناء المجتمع

التقوى… بوصلةُ القلب وطريقُ إصلاح النفس وبناء المجتمع

التقوى… بوصلةُ القلب وطريقُ إصلاح النفس وبناء المجتمع

***********************
لم تكن التقوى في القرآن الكريم مفهومًا وعظيًا مجردًا، يُذكر في الخطب والمواعظ دون أثرٍ في الواقع، بل جاءت مشروعًا متكاملًا لإصلاح الإنسان من الداخل، وبناء المجتمع على أسسٍ راسخة من القيم، والعدل، والانضباط الأخلاقي.
فما من عبادة كبرى، ولا توجيه قرآني جامع، إلا وكان هدفه النهائي: صناعة إنسانٍ تقيٍّ، يُصلح ولا يُفسد، ويعمر ولا يهدم، ويزن أفعاله بميزان الضمير الحي قبل رقابة القانون.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتكرر كلمة التقوى ومشتقاتها في القرآن الكريم ما يقرب من 240 موضعًا، وأن يأتي الأمر بها صريحًا في نحو 81 موضعًا، في دلالة واضحة على أنها قطب رحى هذا الدين، والأصل الذي قامت عليه تشريعاته، ووصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].

أولًا: ما التقوى؟
———————————-
التقوى لغةً: من الوقاية، أي أن تجعل بينك وبين ما تخافه حاجزًا يقيك منه.
وشرعًا: أن تجعل بينك وبين سخط الله وعذابه وقاية، بفعل ما أمر، وترك ما نهى، ظاهرًا وباطنًا.
وقد لخّص هذا المعنى الجامع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله:
«التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».
وقال طلق بن حبيب رحمه الله:
«أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله».وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]:أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وهنا تتجلى التقوى لا كشعور عابر، بل كـمنهج حياة.

ثانيًا: الأمر بالتقوى… خطاب شامل للإنسانية..
——————————————-
جاء الأمر الإلهي بالتقوى متنوعًا، ليشمل كل الفئات:
١- أمرٌ للناس جميعًا..فى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: 1]وهو خطاب عالمي يؤكد أن التقوى أساس النجاة الإنسانية، لا يختص بدين أو قوم.
٢-أمرٌ للمؤمنين
يقول تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾لأن الإيمان الحقيقي لا يكتمل إلا بالتقوى، فهي التي تحميه من التآكل.
٣- أمرٌ للنبي ﷺ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1]وإذا كان هذا الخطاب موجَّهًا لأشرف الخلق، فكيف بغيره؟

٤- وصية الأنبياء جميعًا
بداية من نبى الله نوح إلى إبراهيم، ومن موسى إلى عيسى عليهم جميعا السلام، كانت الدعوة واحدة لهم :﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.وهذا يؤكد أن التقوى قاسم مشترك بين جميع الرسالات.

ثالثًا: لماذا جعل الله التقوى غاية العبادات؟
———————————-
لأن العبادة بلا تقوى قد تتحول إلى طقوسٍ جوفاء، لا تُغير سلوكًا، ولا تُهذب نفسًا.أما التقوى، فهي التي:
تضبط الشهوةوتهذب الغريزة
وتمنع الانحراف حتى في غياب الرقيب قال تعالى:﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].فالعبرة ليست بكثرة العمل، بل بعمق أثره.
والحياة بلا تقوى تصبح حياة فاسدة يأكل فيها القوى الضعيف ..وتنتفى فيها الاخلاق وتضيع القيم ..فالتقوى هى صمام امان الحياة ،وهى الضابط لحياة كريمة ،يسود فيها الضمير ،وخلق المراقبة، والخشية من الله فى كل قول او عمل ..

رابعًا: طرق قرآنية موصلة للتقوى
———————————-
١- الصيام… مدرسة التقوى الكبرى
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. اهم المدارس لتعليم التقوى هى مدرسة الصيام
لان الصيام يربي المراقبة، ويكسر سلطان الهوى، ويعلم الإنسان أن يترك الحلال خوفًا من الله، فكيف بالحرام؟

٢- العبادة الواعية
يقول تعالى ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾فالعبادة ليست هروبًا من الحياة، وليست عادة بلا اثر .. بل هى تدريب على الانضباط والالتزام والعبادة الحقيقية هى التى تترك اثر طيب فى سلوك الانسان .

٣- التقوى في القول..
يقول تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾فاللسان بوابة التقوى أو باب الفتنة.وهذا باب كبير علينا ان ندرب انفسنا الا نقول الا حقا..وبما يرأب الصدع ويصلح ذات البين ويوحد الامة ..
٤- التقوى في الرزق والمعاملات
يقول تعالى﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾فالتقوى ليست عائقًا أمام الرزق، بل سرُّ بركته.

٥– التقوى في العدل..فلا عدل بلا تقوى، ولا أمانة بلا خشية من الله.

خامسًا: مراتب التقوى
———————————-
ذكر العلماء أن للتقوى مراتب:
ترك الشرك. واجتناب الحرام ثم
ترك الشبهات يأتى بعد ذلك تقوى الخواص بترك الفضول…وقال ابن القيم رحمه الله:«أعلاها تقوى القلوب».

سادسًا: ثمار التقوى على الفرد
———————————-
إذا استقرت التقوى في القلب أثمرت:طمأنينة داخلية..وقوة إرادة
وصفاء ضمير وحسن خاتمة يقول تعالى﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.

سابعًا: ثمار التقوى على المجتمع
———————————-
التقوى ليست عبادة فردية فقط، بل ضمانة لبقاء المجتمعات:تقل الجريمة..وينتشر العدل ..وتُصان الحقوق..وتقوى الروابط الاجتماعية
يقول تعالى ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾.

ثامنًا: التقوى ضمانة المستقبل
———————————-
بالتقوى: يُحفظ الأبناء..وتُصان الأوطان..وتُهزم الفتن..ويُبنى الإنسان من الداخل يقول تعالى
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ختاما
—————
التقوى ليست كلمة تُقال، ولا شعارًا يُرفع، بل حياة تُعاش، وسلوك يُمارس، ومراقبة دائمة لله في السر قبل العلن.وبقدر ما تعود التقوى إلى القلوب، يعود الأمن إلى الشوارع، والعدل إلى المعاملات، والرحمة إلى العلاقات.
اللهم ارزقنا تقواك في السر والعلن،
واجعلنا من عبادك المتقين،
وأصلح بها قلوبنا وسلوكنا ومجتمعاتنا،وتقبّل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال،
واجعل عاقبتنا خيرًا في الدنيا والآخرة.آمين، والحمد لله رب العالمين.
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٢/٢٧

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة