**الكلمة قبل الحدث: كيف تصنع اللغة واقع الإنسان**
إعداد:
د. خالد سعيد النقبي
المنسق الإقليمي لخطوط نجدة الطفل
إدارة الدعم الاجتماعي / شرطة أبو ظبي
مايو 2007
مقدمة :
عندما تتحدث، لا تصف فقط ما يحدث حولك، بل تضع أسس ما سيتحقق فيما بعد. نحن هنا لسنا كائنات خاملة نراقب الأحداث ثم نتحدث عنها كأننا منفصلون عنها. الحقيقة أعمق من ذلك؛ نحن نتحدث أولاً ثم نعيش ما قلناه.
الكلمة تأتي قبيل الخطوة، والفكرة تسبق القرار، واللغة تسبق كل واقع.
كل تجربة إنسانية مررت بها، سواء كانت نجاحًا أو فشلًا، أملًا أو خوفًا، كانت سبقتها كلمة قيلت إما بصوت عالٍ أو همسًا في داخلك. في كلتا الحالتين، كانت الكلمة هي الشرارة الأولى التي أطلقت الأحداث.
لذا ليس غريبًا أن يُقال إن اللغة لا تعكس الواقع فحسب، بل تصنعه أيضًا. ومن الذين اعتنوا بهذا الفكرة المتعمقة، كان جورج لاكوف، عالم اللغة الأمريكي الذي فكّر في علاقة اللغة بالتفكير واتخاذ القرار.
يعتقد لاكوف أن العقل البشري لا يعمل بمعزل عن اللغة، بل يتعامل معها.
الكلمات التي نتداولها تخلق لنّا أطرًا ذهنية، وهذه الأطر تعطي انطباعاتنا عن العالم وتحدد سلوكنا فيه. مع مرور الوقت، يصبح هذا السلوك واقعًا نعيشه ونراه قدرًا.
المثير للاهتمام أن هذا الاكتشاف لم يكن غريبًا عن تراثنا بل كان حاضرًا بوضوح في الدين الإسلامي. فالفكرة القائلة إن “الكلمة تصنع الواقع” ليست مجرد نظريات، بل هي طريقة للعيش.
أولًا: ماذا يعني أن “الكلمة تصنع الواقع؟
عندما نقول إن الكلمة تصنع الواقع، فنحن لا نتحدث عن سحر أو وهم، بل عن شيئًا حقيقيًا: الكلمة تشكّل الفكرة، والفكرة تدفع الشعور، والشعور يقود السلوك، والسلوك يتكرر ليصنع النتائج، ثم تصبح النتائج واقعًا. لهذا، اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة توجيه ذات قيمة.
من يعتاد أن يقول “لا أستطيع” يرى العالم مليئًا بالعقبات، بينما من يعتاد على قول “سأحاول” يرى فيه إمكانيات.
هذا ما أشار إليه جورج لاكوف حين قال إن اللغة ليست مجرد مرآة تعكس حقائق، بل هي العدسة التي نرى بها العالم.
ثانيًا: الأصل الديني للفكرة في الإسلام
في الإسلام، لم تكن الكلمة بلا قيمة،بل كانت لها مسؤولية أخلاقية وتأثير حقيقي في الدنيا والآخرة. يقول النبي ﷺ: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفع الله بها درجات، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم» (صحيح البخاري). ما يتحدث عنه الحديث هنا ليس مجرد وصف، بل هو حديث عن صناعة المصير.
ثالثًا: النبي ﷺ… مربّي اللغة قبل مربّي السلوك
عندما تقرأ السنة النبوية، ستجد أن النبي ﷺ لم يقتصر على تصحيح أفعال الناس، بل كان يسعى لتصحيح مفرداتهم. على سبيل المثال، قال: “لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي” (صحيح مسلم). لماذا هذا الفرق مهم؟ لأن التعبير عن “خبثت نفسي” هو حكم أخلاقي، بينما “لقست نفسي” هو وصف حالة عابرة.
رابعًا: الكلمة وبناء الأمل
في الإسلام، التفاؤل ليس مجرد شعور ساذج، بل هو اختيار لغوي. قال ﷺ: «يعجبني الفأل الصالح». عندما تسأل: وما الفأل؟ الجواب: «الكلمة الطيبة». الكلمة الطيبة ليست مجاملة، بل هي بذور تنمو لتصبح سلوكًا ثم واقعًا.
خامسًا: ما الذي يجمع جورج لاكوف بالسنة النبوية؟
رغم الاختلاف بين المنطلقين، فإن النتيجة واحدة: اللغة تُشكّل التفكير، والتفكير يُشكّل الواقع. بينما درس لاكوف هذا في الخطاب السياسي، طبق النبي ﷺ هذه الفكرة في بناء الإنسان.
الكلمة ليست مجرد صوت، بل هي موقف، تجاه، وبداية طريق. فهمنا أن كل واقع نعيشه كان يومًا ما جملة قيلت، يجعلنا ندرك لماذا بدأ الإصلاح في الإسلام من اللسان.
سادسًا: كيف تتحول الكلمة إلى واقع ملموس؟
قد يظن البعض أن أثر الكلمة هو مجرد حديث معنوي، لكن الحقيقة أنها تتضح عبر سلسلة واضحة وتجدّد الإدراك. ملخصها: كلمة → فكرة → شعور → قرار → سلوك → نتيجة → واقع.
كل من يكرر عبارة “أنا فاشل”، يدرب نفسه على رؤية العالم من زاوية واحدة، وينتهي به الأمر بالاندهاش من النتائج التي تترتب على ذلك.
سابعًا: اللغة والهوية
الكلام يملك قوة كبيرة ليس فقط لوصف الأحداث بل لإعادة تعريف الشخص نفسه. عندما يخطئ شخص ما ويقول: “أنا فاشل”، فإنه لا يصف فعلًا، بل يحكم على هويته. أما إذا قال: “فشلت هذه المرة”، فقد فتح أمامه الباب للنجاح في المرات القادمة.
ثامنًا: الكلمة في لحظات الضعف
الكلمات التي تُقال في لحظات الضعف تأتي بأثر أعمق. يقلق الإنسان ويكون أكثر استعدادًا لتصديق ما يقوله عن نفسه.
تاسعًا: الإعلام
إذا كانت الكلمة تصنع واقع الفرد، فهي كذلك تصنع وعي المجتمعات من خلال الإعلام. كل كلمة تُستخدم لتوجيه الأفكار.
عاشرًا: الكلمة والدعاء
الدعاء هو من أوضح الأمثلة في الإسلام، حيث الكلمة تتقدم كفعل.
النتائج:
الكلمة ليست مجرد وصف، بل أداة للتوجيه. تكرار الكلمات يبني القناعات، ومن ثم يقود السلوك إلى تكوين الواقع. لقد سبق النبي ﷺ العلم الحديث في فهم هذا المسار.
التوصيات:
على مستوى الفرد، انتبه لكلماتك داخليًا، وكن حذرًا في حديثك. على مستوى القادة، اختر الكلمات التي تبني الانتماء. وعلى مستوى الإعلام، أسأل قبل النشر: ماذا ستجلب هذه الكلمة من أثر؟
الخاتمة:
تذكر دوماً أنك تبني حياتك جملةً بعد جملة. ليست كل الكلمات متساوية؛ بعضها يأتي ويذهب، بينما يبقى البعض الآخر يبدو كأنه ينتظر سنوات ليظهر أثره. لذا، علينا أن نكون حذرين بما نقول، هل نريد أن نكون ضحايا كلماتنا أم صانعي واقعنا؟


