الأرض في غرفة الإنعاش: هل تنقذنا ثلاثون بالمائة من الانقراض الكبير؟
بقلم: د. وسيم مردم بك
نائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
نحن اليوم أمام حقيقة علمية مرعبة تتجاوز في خطورتها أرقام التضخم والنزاعات السياسية، فالطبيعة التي نعرفها تتآكل بمعدلات تفوق قدرتها على التجدد بألف مرة، ولسنا هنا بصدد الحديث عن فقدان مناظر طبيعية جميلة، بل عن انهيار نظام التشغيل الارضي الذي يمنحنا الغذاء والماء والهواء. إن إطار -كونمينغ-مونتريال- الذي أُقر بعد تجمع ال 15- ليس مجرد اتفاقية بيئية، بل هو محاولة لإعادة صياغة العقد بين البشر وكوكبهم عبر هدف (30 -30)، أي حماية 30% من كوكبنا بحلول عام 2030. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في رسم الحدود على الخرائط، بل في الفجوة التمويلية الهائلة التي تتطلب ضخ 200 مليار دولار سنوياً، وفي الانفصال الذهني الذي جعلنا نعامل أزمة المناخ كمسألة تقنية تتعلق بالانبعاثات فقط، متناسين أن الطبيعة هي أكبر مخزن للكربون على وجه الأرض. الحل المقترح والعملي الذي يفرضه الواقع يتجاوز مجرد الحماية السلبية، يتطلب الأمر الانتقال إلى (اقتصاد الاستعادة)، حيث يتم توجيه الدعم المالي العالمي (الذي يذهب حالياً لدعم الوقود الأحفوري والزراعة الصناعية المدمرة) نحو مشاريع -الحلول القائمة على الطبيعة-. هذا يعني أن تصبح إعادة زراعة الأراضي الرطبة واستعادة الغابات المفقودة قطاعاً استثمارياً مربحاً، ودمج قيمة التنوع البيولوجي في الناتج المحلي الإجمالي للدول، بحيث لا تُحسب قيمة الغابة فقط عند قطع أخشابها، بل تُثمن بناءً على الكربون الذي تحتجزه والمياه التي تنقيها، وبغير هذا التحول الهيكلي في النظام المالي العالمي، ستظل أهداف 2030 مجرد حبر على ورق في سباق مع زمن لا ينتظر أحداً.



رد بقلم: د. سميرة محمد
مدير شركة BWM Agency
نائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة في الشرقية
ما طرحه د. وسيم مردم بك لا يمكن قراءته كمقال بيئي بقدر ما يجب التعامل معه كـ إنذار إداري شامل لسوء إدارة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهو إنذار يضع الإعلام الإلكتروني أمام اختبار حقيقي:
هل يظل ناقلًا للخبر، أم يتحول إلى جزء من الحل الجذري؟
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط الانقراض البيولوجي، بل الانقراض المعرفي في وعي المجتمعات؛ حيث ما زالت قضايا البيئة تُقدَّم للجمهور بوصفها ملفات نخبوية أو مؤجلة، في حين أنها تمس الأمن الغذائي والاقتصادي والصحي بشكل مباشر. وهنا يأتي الدور الحاسم للإعلام الإلكتروني، بوصفه المنصة الأكثر قدرة على كسر هذا الانفصال الذهني الذي أشار إليه المقال بدقة.
الإعلام الرقمي لم يعد مجرد وسيلة توعوية، بل أصبح أداة لإعادة هندسة الأولويات العامة. فمن خلال المحتوى التفاعلي، والبيانات المرئية، والسرد القائم على الأثر الاقتصادي والاجتماعي، يمكن تحويل مفاهيم مثل اقتصاد الاستعادة والحلول القائمة على الطبيعة من مصطلحات أكاديمية إلى مطالب شعبية وضغوط مجتمعية تؤثر مباشرة في صانع القرار والمستثمر على حد سواء.
الدور الجذري للإعلام الإلكتروني يتمثل في ثلاثة محاور أساسية:
أولًا: ترجمة العلم إلى خطاب قابل للتداول، يربط بين حماية 30% من الطبيعة وبين استقرار أسعار الغذاء، وفرص العمل، وجودة الحياة.
ثانيًا: إعادة توجيه البوصلة الاستثمارية عبر إبراز نماذج ناجحة تجعل من استعادة النظم البيئية قطاعًا اقتصاديًا مربحًا، وليس عبئًا مالياً.
ثالثًا: بناء رأي عام رقمي ضاغط، يرفض استمرار دعم النماذج الاقتصادية المدمرة، ويطالب بإدماج القيمة الحقيقية للطبيعة في حسابات النمو.
إن معركة إنقاذ الكوكب لن تُحسم في قاعات المؤتمرات وحدها، بل على شاشات الهواتف، وفي خوارزميات المنصات، وفي وعي المستخدم العادي. وإذا لم يقم الإعلام الإلكتروني بدوره كفاعل استراتيجي في هذا التحول، فإن أهداف 2030 ستبقى – كما حذّر المقال – سباقًا خاسرًا مع زمن لا ينتظر أحدًا.
الإعلام هنا ليس شاهدًا على الأزمة، بل شريكًا مباشرًا في صناعة الحل.