الإثنين, مارس 2, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
HomeUncategorizedبركان "هايلي غوبي": تهديد جيولوجي وتداعيات اقتصادية غير مباشرة على مصر

بركان “هايلي غوبي”: تهديد جيولوجي وتداعيات اقتصادية غير مباشرة على مصر

بركان "هايلي غوبي": تهديد جيولوجي وتداعيات اقتصادية غير مباشرة على مصر

  • بركان “هايلي غوبي”: تهديد جيولوجي وتداعيات اقتصادية غير مباشرة على مصر

كتب أيمن محمد عبد الرؤف الخولي ـ باحث دكتوراه بمعهد الدراسات و البحوث البيئية بمدينة السادات وعضو الإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بمحافظة البحيرة

أثار ثوران بركان “هايلي غوبي” في إقليم عفر بإثيوبيا، بعد فترة خمود امتدت لنحو 12 ألف عام، قلقًا إقليميًا واسعًا، متجاوزًا حدود إثيوبيا الجغرافية. يقع هذا البركان ضمن منطقة الأخدود الإفريقي العظيم، وهي بؤرة نشطة جيولوجيًا، مما يضفي على الحدث أهمية تتعدى كونه ظاهرة طبيعية بحتة. وفي حين نفت التقارير الأولية وجود تأثير مباشر للرماد البركاني على مصر، فإن التداعيات الاقتصادية على القاهرة تكمن في مسارات غير مباشرة، لكنها لا تقل خطورة، وتتركز بشكل أساسي حول الأمن المائي والاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
التأثير المباشر والواقع الجغرافي
من الناحية الجغرافية والمناخية، فإن التأثير المباشر لثوران بركان “هايلي غوبي” على الأراضي المصرية يكاد يكون معدومًا. فقد أكد خبراء المناخ والجيولوجيا أن بعد المسافة واتجاهات الرياح السائدة تحول دون وصول الرماد البركاني إلى مصر. ومع ذلك، فإن هذا النفي لا يعني غياب المخاطر، بل ينقلها من مستوى التأثير المباشر إلى مستوى التهديد غير المباشر الذي يمس المصالح الحيوية لمصر، وعلى رأسها أمنها المائي والاقتصادي.
المحور الأول: الخطر الجيولوجي على سد النهضة والأمن المائي
يُعدّ التهديد الجيولوجي على سد النهضة الإثيوبي (GERD) من أبرز المخاوف التي تثيرها الأنشطة البركانية والزلزالية في منطقة الأخدود الإفريقي. يقع بركان “هايلي غوبي” على مسافة تُقدر بحوالي 600 إلى 650 كيلومترًا من موقع السد 2. ورغم أن الثوران الأخير لم يتسبب في هزات أرضية مدمرة، فإن وجود السد في منطقة نشطة زلزاليًا يمثل نقطة ضعف هيكلية.
إن أي نشاط زلزالي كبير ينجم عن تحرك الصفائح التكتونية في وادي الصدع، والذي يُعد النشاط البركاني الحالي جزءًا من ديناميكيته، قد يهدد سلامة سد النهضة. وفي حال تعرض السد لأضرار جسيمة أو انهيار (لا قدر الله)، فإن التداعيات على مصر ستكون كارثية:

المحور الثاني: التلوث البيئي وتأثيره على جودة مياه النيل
تُطلق البراكين كميات هائلة من الغازات، أبرزها ثاني أكسيد الكبريت (SO2)، الذي وصل عموده في ثوران “هايلي غوبي” إلى ارتفاعات تتراوح بين 10 و 15 كيلومترًا. ويُعد هذا الغاز خطيرًا لأنه يتفاعل مع بخار الماء في الغلاف الجوي ليُشكل حمض الكبريتيك، مما يؤدي إلى ظاهرة الأمطار الحمضية.
إذا وصلت هذه الأمطار الحمضية إلى مناطق منابع النيل الأزرق، فقد تؤدي إلى:
1- تغيير كيميائي في مياه النيل: انخفاض في درجة حموضة المياه (pH)، مما يؤثر على التوازن البيئي في النهر.
2- تلوث المياه: تلوث مياه الشرب والري، مما يهدد صحة المواطنين وسلامة المحاصيل الزراعية.
التكلفة الاقتصادية: ستضطر الحكومة المصرية إلى تحمل تكاليف باهظة لمعالجة المياه وتنقيتها لضمان صلاحيتها للاستهلاك البشري والزراعي، بالإضافة إلى الخسائر المحتملة في الإنتاج الزراعي نتيجة تضرر المحاصيل بالأمطار الحمضية أو المياه الملوثة.
المحور الثالث: التداعيات الاقتصادية الإقليمية غير المباشرة
لا يقتصر التأثير على الجانب البيئي والمائي، بل يمتد إلى الاقتصاد الإقليمي الذي ترتبط به مصر بشكل وثيق:
اضطراب التجارة الإثيوبية: يهدد الرماد البركاني صادرات إثيوبيا الرئيسية، مثل البن والذهب، مما قد يعطل طرق النقل اللوجستية المؤدية إلى ميناء جيبوتي، المنفذ الرئيسي للتجارة الإثيوبية.
تأثير على قناة السويس: أي اضطراب كبير في حركة التجارة العالمية أو الإقليمية، سواء بسبب القيود الجوية الناتجة عن الرماد البركاني أو بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، قد يؤدي إلى انخفاض في حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس، التي تُعد شريانًا حيويًا للعملة الصعبة في مصر.
السياحة والطيران: قد تؤدي التحذيرات الجوية والقلق الإقليمي العام إلى انخفاض في حركة الطيران والسياحة الوافدة إلى مصر، مما يضر بقطاع السياحة الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المصري.
وفي النهاية إن بركان “هايلي غوبي” يمثل تذكيرًا جيولوجيًا بأن مصر، رغم بعدها النسبي عن مركز الحدث، تظل مرتبطة بمحيطها الإقليمي عبر شريان الحياة، نهر النيل، وعبر شبكة المصالح الاقتصادية الإقليمية. التأثير على الاقتصاد المصري ليس في وصول الرماد، بل في التهديد غير المباشر لسلامة سد النهضة، وتكلفة معالجة تلوث مياه النيل المحتمل، والتأثير السلبي على إيرادات قناة السويس والسياحة. يتطلب هذا الوضع من صانعي القرار في مصر تعزيز المراقبة الجيولوجية والبيئية للمنطقة، والاستعداد لسيناريوهات الطوارئ التي قد تنجم عن استمرار النشاط الجيولوجي في الأخدود الإفريقي.

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة