مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في بيليم: الغياب الدولي وتحديات الاستدامة في مرحلة ما بعد الطموح
بقلم: د. ياسر محمد بغدادي – خبير أول صناعات نفطية

يشهد العالم اليوم تحولات مناخية متسارعة تتجاوز نطاق الظواهر الطبيعية لتصبح عاملاً مؤثراً في معادلات التنمية والاستقرار العالمي. ومع تصاعد الكوارث البيئية من فيضانات وجفاف وحرائق متكررة، تزداد الحاجة إلى تفعيل العمل المناخي الدولي كأولوية استراتيجية تتقاطع فيها الجوانب الاقتصادية والبيئية والسياسية. وفي هذا السياق، تستضيف مدينة بيليم في جمهورية البرازيل أعمال مؤتمر الأطر اف الثلاثين (COP30)خلال الفترة 10 إلى 21 نوفمبر 2025، في محطة دقيقة من مسار الجهود الدولية الرامية إلى الحد من آثار التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة.

يمثل انعقاد القمة في قلب منطقة الأمازون رسالة رمزية بالغة الدلالة، فهذه المنطقة تشكل أحد أهم الأنظمة البيئية على الأرض ومصدراً رئيسياً للتوازن المناخي العالمي. ومن خلال اختيار هذا الموقع، أرادت البرازيل التأكيد على أن الحفاظ على البيئة لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية لضمان مستقبل الأجيال القادمة. ومع ذلك، حملت القمة ملامح سياسية واقتصادية معقدة، إذ شهدت غياباً لافتاً لعدد من القوى الكبرى التي لطالما تصدرت قيادة العمل المناخي العالمي، وهو ما ألقى بظلاله على طبيعة النقاشات وعمق النتائج المتوقعة.
جاءت قمة بيليم في وقت يسوده تراجع الزخم السياسي المصاحب لقضية المناخ خلال العامين الأخيرين، مقارنة بما شهده مؤتمر الأطراف الثامن والعشرون (COP28) الذي استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2023، والذي تميز بطموح واسع وإرادة تنفيذية واضحة تمثلت في إطلاق مبادرات تمويلية وتنموية غير مسبوقة، أبرزها إنشاء صندوق الخسائر والأضرار، وتوسيع برامج التمويل الأخضر، وتوقيع اتفاقيات كبرى في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف والتقنيات منخفضة الكربون. وقد أسهمت تلك المبادرات في تعزيز الثقة بالقدرة على تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، وجعلت من قمة الإمارات نموذجاً لقيادة فعالة في العمل المناخي.
أما في بيليم، فقد بدت الأجواء مختلفة تماماً. فقد غاب التمثيل الرفيع لعدد من القادة الكبار، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والصين والهند، ما أدى إلى إضعاف الزخم التفاوضي حول قضايا التمويل وخفض الانبعاثات. وبدلاً من الطموح الكبير الذي ميّز قمة الإمارات، اتسم مؤتمر بيليم بطابع أكثر واقعية وحذراً، إذ ركزت المداولات على تقييم الالتزامات السابقة ومعالجة الانقسامات بين الشمال والجنوب أكثر من طرح مبادرات جديدة. وبينما كان مؤتمر الإمارات ساحة لإطلاق الحلول، بدا مؤتمر الأمازون ساحة لإدارة الخلافات وتثبيت الحد الأدنى من التفاهمات.
وشهدت القمة تبايناً واضحاً في أولويات الدول المشاركة، فبينما ركزت الدول الصناعية على قضايا الشفافية والحوكمة في إدارة التمويل المناخي، طالبت الدول النامية بإيفاء التعهدات السابقة وضمان تدفق التمويل العادل والمستدام لمشروعات التكيف والتحول الطاقي. وقد أبرز هذا التباين استمرار الفجوة بين من يمتلكون الموارد ومن يتحملون العبء الأكبر من آثار التغير المناخي، وهو ما جعل من المؤتمر اختباراً جديداً لمفهوم العدالة المناخية الذي أصبح محوراً رئيسياً في المفاوضات الدولية.
وعلى الرغم من أن المخرجات الأولية تشير إلى أن البيان الختامي سيتضمن تأكيداً على مبادئ العدالة المناخية والتحول الأخضر دون تحديد جداول زمنية واضحة أو نسب دقيقة لخفض الانبعاثات، إلا أن هذا الواقع قد يفتح الباب أمام نشوء تكتلات إقليمية جديدة تسعى إلى بناء حلول محلية مستدامة. فكل من أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا بدأت في تبني مبادرات ترتكز على الاستثمار في الطاقة المتجددة وإعادة التشجير والاقتصاد الدائري، في تحول تدريجي نحو نموذج تنموي أكثر واقعية وارتباطاً بالقدرات المحلية.
أما على الصعيد العربي، فإن مرحلة ما بعد COP30 تفرض معادلة دقيقة بين التحديات والفرص. فمن جهة، يؤدي تباطؤ التمويل الدولي إلى تأجيل تنفيذ العديد من مشاريع الطاقة النظيفة في الدول الأقل نمواً، كما يحد من قدرة بعض الدول على تنفيذ استراتيجياتها الوطنية للتحول الأخضر. ومن جهة أخرى، تتيح هذه المرحلة فرصة أمام دول الخليج العربي لترسيخ مكانتها كمحور استثماري وتقني رائد في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات منخفضة الكربون، وتعزيز التعاون العربي في مجالات الزراعة الذكية والمياه وإدارة الموارد الطبيعية.
لقد أثبتت تجربة مؤتمرات المناخ الأخيرة أن نجاح الجهود البيئية العالمية لا يتوقف على حجم الوعود بقدر ما يعتمد على الإرادة السياسية وقدرة الدول على تحويل الالتزامات إلى سياسات تنفيذية. فبين طموحات قمة الإمارات وواقعية قمة الأمازون، يبرز اتجاه عالمي جديد نحو تنويع مراكز القيادة المناخية وتوسيع دائرة المسؤولية المشتركة.
وفي هذا الإطار، تبدو المنطقة العربية أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دورها في منظومة العمل المناخي، من خلال بناء رؤية عربية موحدة تعتمد على الإمكانات الذاتية وتفعيل أدوات التمويل الإقليمي وتعزيز التكامل بين الدول الأعضاء في مجالات البحث والابتكار والاستثمار المستدام. فطريق الاستدامة الحقيقية يبدأ من الداخل، من الاستثمار في الإنسان، وتطوير القدرات، وإرساء أسس التعاون الإقليمي الفاعل الذي يحقق التنمية ويحافظ على البيئة في آن واحد.


